سلمان العودة.. أنت حضري أم بدوي؟!

سلمان العودة.. أنت حضري أم بدوي؟!

الساعة 7:24 مساءً
- ‎فيكتابنا
3945
4
طباعة
ناصر المرشدي

  ......       

تغريدة الدكتور سلمان العودة، التي أثارت جدلاً وصخباً وشجاراً بين أوساط مستخدمي موقع التواصل الاجتماعي تويتر، والتي قال فيها: (أحياناً يشهد العالم انتصار التخلف على المدنية وزحف البادية على الحواضر)، قابلة للإسقاط على أي زمان ومكان، إلا في مجتمعنا، لعدة اعتبارات، أهمها تلك الحساسية التي نتعاطى بها مع مثل هذه التصنيفات، التي من غرابتها أنها يمكن أن تأخذ صفة إيجابية في موضع، وصفة سلبية في موضع آخر؛ لأنها ليست مبنية على أسس علمية، أو واقعية، بل هي نابعة من موقف عنصري بحت؛ لأننا في نهاية الأمر وبمقاييس الحضارة الفعلية ملة واحدة. فلا يخلو جدال من تفاخر فلان بأنه بدوي، وفي موضع آخر يضطر إلى “ادعاء” أنه حضري، والعكس، فالحضري في مقام ما يتنصل من حضريته، ويدّعي أنه بدوي،  وفي مقام آخر يفاخر بها. هذه دلالة على أن الأمر برمته وهم في وهم، وإلا فكل من سكن جزيرة العرب منذ الأزل، لم يعش، ولم يُقم حضارة بمعناها الحقيقي المدني، تقف موقف الند من الحضارات الأخرى، سواء تلك الضاربة بجذورها في عمق التاريخ، كالحضارة السومرية، والإغريقية، والفارسية، والصينية، وقدماء المصريين، وغيرها، أو الحضارات الصناعية والتكنولوجية والمعلوماتية المعاصرة، في الغرب والشرق.

مفهوم الحضارة لدينا ملتبس، فالفهم الذي يتبادر إلى أذهاننا حين يأتي ذكر “حضارة” أنها المقام ذو الامتداد التاريخي في المدائن والأمصار، بينما المفهوم الحقيقي يختلف عن هذا تماماً.

الحضارة لها تعريفات متعددة لعل أكثرها دقة وتوصيفاً علمياً، ذلك التعريف الذي أورده المؤرخ والفيلسوف والكاتب الأمريكي “ويليام جيمس ديورانت” صاحب كتاب (قصة الحضارة)، حيث عرّف الحضارة بأنها: (نظام اجتماعي يُعين الإنسان على الزيادة في إنتاجه الثقافي، وتتألف من أربعة عناصر: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتـابعة العلوم والفنون، وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق؛ لأنه إذا ما أمن الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه دوافع التطلع، وعوامل الإبداع والإنشاء، وبعدئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضي في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها) أ.هـ، فلو أخذنا هذا التعريف الذي يكاد يتفق الباحثون على أنه الجامع المانع، وأسقطنا جزئياته على واقعنا، بل حتى على تاريخ بلادنا الطويل، سنصل إلى نتيجة منطقية مفادها أنه لم تقم على أرض جزيرة العرب حضارة فعلية بالمعنى الذي أورده “ديورانت”.

فلا نظام اجتماعياً خلاقاً ومستقراً؛ لأن النظام غالباً كان في حالة غياب، والفوضى هي سيدة المشهد، وهذا أضعف النتاج الثقافي بمعناه الشامل، وكل هذا بسبب  اختلال أو غياب مكونات الحضارة من العناصر التي حددها “ديورانت”.

فالموارد الاقتصادية لجزيرة العرب كانت شحيحة منذ فجر التاريخ، ولهذا كانت دعوة سيدنا إبراهيم: (وارزق أهله من الثمرات). وقوله تعالى: (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ) يدلل على أن جزيرة العرب لم تكن بلداً منتجاً وكان اعتماد ساكنيها على ما يجبى إليها من الثمرات من البلاد الأخرى.

والنظم السياسية وإن حضرت في عصر صدر الإسلام، إلا أنها غابت في العصور التي تلته، تماماً كما غابت في العصور التي سبقته، وكانت الصراعات السياسية أحد أهم أسباب تأخر الدولة الإسلامية التي انطلقت من جزيرة العرب، ثم ضعفها وسقوطها وتشرذمها فيما بعد.

أما العلوم والفنون فما كانت جزيرة العرب يوماً ما محضناً لها، وكل ما فاق المسلمون فيه منها نشأت في بلاد الشام والعراق وبلاد المغرب العربي، ومعظم أعلامها من الأعراق الأخرى غير العربية، التي تمازجت مع العرب، ودخلت تحت لواء الدولة الإسلامية العربية، التي استولت بفتوحاتها على كثير من بلاد الفرس والروم والبربر والأرمن وغيرها.

وفي جزئية أخرى يقول “ديورانت” في تعريفه للحضارة: (وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق؛ لأنه إذا ما أمن الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه دوافع التطلع، وعوامل الإبداع والإنشاء). وهنا سؤال إجابته تنفي عن العرب أبناء الجزيرة صفة الحضارة؛ أي عصر ذلك الذي عاشته جزيرة العرب وهي في مأمن من الاضطراب والقلق والخوف الذي يحرر في نفس ابن الجزيرة العربية دوافع التطلع، وعوامل الإبداع والإنشاء؟؟!! الإجابة على طرف لسان كل من سيقرأ هذا المقال.

بعد كل هذا يأتي أحدهم وبدافع ما، سواء كان جهلاً أو عنصرية أو بأي دافع آخر، ويفترض أن لدينا حضارة، ليقسّمنا على أساسها إلى حضر وبدو، وهو بالتأكيد يستحضر في نفسه قيمة إيجابية لمن يصنّف نفسه منهم، وقيمة سلبية لمن هم في الطرف المقابل.

إذاً الحضارة يا سادة ليست عمراناً، وليست إقامة واستقرار سكن، وبلادنا لم تكن يوماً مهداً لأي حضارة مدنية، نحن أمة سادت العالم بالحضارة الدينية التي جاء بها الإسلام، وقد أكد هذا ابن خلدون بقوله: (العرب لا تحصل لهم السيادة الا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة، والسبب في ذلك أنهم لخلق التوحش الذي فيهم أصعب الأمم انقياداً بعضهم البعض، للغلظة والأنفة وبعد الهمة والمنافسة في الرياسة, فقلما تجتمع أهواؤهم. فإذا كان الدين بالنبوة أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم وذهب خلق الكبر والمنافسة منهم, فسهل انقيادهم واجتماعهم, وذلك بما يشملهم من الدين المذهب للغلظة والأنفة، الوازع عن التحاسد والتنافس).

اتركوا عنكم هذه الدعاوى التي تلوي أعناق المصطلحات لتوظفها توظيفاً عنصرياً، فنحن وإن أوغلنا في تصنيف بعضنا البعض، لسنا في نظر الحضارات الحقيقية إلا ملة واحدة: “قوم لا حضاريون وبلا حضارة”، كنّا ما بين مقيم مستقر حاضر، وبادٍ ظاهر ظاعن، وصرنا كلنا اليوم نستوطن الأمصار والمدن والقرى، وحضارتنا الحقيقية التي تسيدنا بها العالم ردحاً من الزمن-الإسلام- أضعناها بأيدينا، وضعنا في مراء فارغ، لا أعاد لنا مجداً، ولا ألحقنا بركب الحضارات المعاصرة!


قد يعجبك ايضاً

مركز الملك سلمان للشباب يؤهل 180 قائدًا شابًا

المواطن – الرياض أهَّل مركز الملك سلمان للشباب