كيمياء النجاح

كيمياء النجاح

الساعة 1:20 مساءً
- ‎فيكتابنا
510
2
طباعة
فهد عريشي

  ......       

“يا أمّي في قلبي براكينُ حزنٍ لا تقبل إلّا أن تثور” هكذا كتب على صفحته بالفيس بوك بعد أوّل لقاء جمعنا سويًّا.

وهذه العبارة كتبها لأمّه بعد أن واراها الثرى, وقد رحلت بعد أن أرضعته حبّ العلم, ودرّبته على قوانين التفوق الدراسيّ, وزرعت فيه روح الاستذكار الذاتية. أمّه الّتي لم ترحل حتّى عانقته, وهو يلبس وشاح التخرج محتفلاً بشهادة الدكتوراه الّتي منحتها له جامعة “كارديف” البريطانية يقول فوّاز سعد: منذ طفولتي وأمّي تحثني بشكل متواصل على أهمية التفوق الدراسيّ, وعلى ضرورة أن استذكر درسي منفردًا, وكان لها الفضل الكبير بعد الله أن أتخرّج من الثانوية بمعدل عالٍ جعل من كلية الطب بجامعة أم القرى تقبلني دون تردد ورحلنا بعدها كعادتنا السنوية عائلتي وأعمامي وعماتي إلى مدينة الطائف للسياحة في إجازة الصيف رغم احتفاء الجميع لكوني أصبحت طالبًا في كلية الطب إلّا أنّ شيئًا بداخلي يصرخ قائلاً: أين حبك للكيمياء يا فوّاز؟؟

ذهب فوّاز يشارك أمّه همومه وحيرته بين تخصص الطب الّذي ينظر إليه المجتمع نظرة احترام, وبين تخصص الكيمياء الّتي ينثر لها قلبه الشعر حبًا وعشقًا, فأخبرته أمّه بأن التخصص الجامعي قراره هو وحده, وهو من عليه أن يختار، فاختار فوّاز أن يكون عاشقًا للكيمياء, ويهجر كلية الطب الّتي كان يحلم بها الكثير. اتخذ فوّاز قراره, وهو أن يسحب ملفه من كلية الطب, ويذهب إلى التسجيل بكلية الكيمياء, وعاد هو ووالده إلى مكّة ليقوما بتنفيذ القرار الّذي اتخذه فوّاز, وعند مقابلتهما لعميد كلية القبول والتسجيل سأله: لماذا يا ولدي لا تريد كلية الطب؟ فقال له فوّاز: أنا أريد كلية الكيمياء فنصحه بأن كلية الكيمياء هي للطلاب الحاصلين على الدرجات الأقل من درجته المرتفعة, ولكن فوّاز أصرّ على موقفه, فوافق عميد القبول والتسجيل ما دامت بكلّ تأكيد ستنطبق عليه شروط القبول بكلية الكيمياء الّتي هي أسهل بكثير من القبول بكلية الطب. وعند عودتهما للطائف وعلّم أعمامه وعماته بخبر تحويله من كلية الطب إلى كلية الكيمياء عاتبوه بشدّة, وقالوا له: قرارك هذا خاطئ جداً يا فوّاز, ونحن فرحنا بأنّك سوف تصبح طبيبًا, ولكنك خيّبت أملنا حين ذهبت إلى تخصص أقل.

يقول فوّاز: شعرت برغبة بأنّي يجب أن أحصل على الدكتوراه, ولكن ليس فيما يريده المجتمع منّي, ولكن فيما أريده أنا. وبدأت أوّل يوم بدراسة الكيمياء, وأنا لا أفكر فقط في التخرّج الجامعيّ، بل في شهادة الدكتوراه. وتخرّج بتفوق, وقد منحه تفوقه الجامعيّ فرصًا وظيفيّة مثيرة. فما إن حط رحاله بسكاكا معلمًا لمادة الكيمياء بإحدى مدارس وزارة التربية والتعليم حتى وجد نفسه أمام عرض مغرٍ من شركة “أرامكو السعودية” الّتي وافقت على أن ينضم لها, وأن يكمل تعليمه العالي, ولكن بشروط لم تتناسب مع طموحه ورغباته, فكان عرض جامعة أم القرى بأن يكون معيدًا بها هو منفذه ليرحل فورًا إلى جامعة “كارديف” ببريطانيا حيث حضّر الماجستير والدكتوراه الّتي كان نتاجها أن قام ببحث وتحضير سلسلة من المركبات لها تطبيقات هامّة, وواسعة كالاستخلاص من الملوّثات, وفي الصحة للتنبؤ بوجود الخلايّا السرطانية.

حينما آمن فوّاز بقدراته في مجال الكيمياء فعل ما لم يكن في استطاعته أن يفعله لو استمر بمجال الطب. فالعمل المقرون بالمتعة والحبّ هو ما منح فوّاز فرصة لأن يبتكر مركبات غير عضوية تساعد في الاكتشاف المبكر للخلايا السرطانية, والّذي في حال تطبيقه سينقذ الكثير من براثن مرض السرطان الخبيث.

كلّ ما فعله فوّاز هو أنّه آمن بحلمه كما ينبغي به الإيمان, ولم يرضخ لضغوط مجتمعة بأن يدرس تخصصًا لا يرغب في دراسته, ولو انقاد لرغبة المجتمع, واتّبع مقولاتهم وآرائهم لكان حتمًا مصيره الفشل, ولكنه اتّبع حلمه بثقة مؤمنًا بأنّ الأحلام الكبيرة لا تموت إلّا في منامات من لا يستطيعون السهر من أجلها, ولا يكلّفون أنفسهم عناء كسب ودّها.

fahadaraeshi@

fahadaraeshi@gmail.com


قد يعجبك ايضاً

“كيمياء الخيبة” للإعلامية الخطاف تسلط الضوء على الأحلام الضائعة للمرأة

 المواطن – عامر عسيري – الدمام  أصدرت الإعلامية