( غلام يهودي )

( غلام يهودي )

الساعة 12:03 صباحًا
- ‎فيكتابنا
1045
5
طباعة
عادل الكلباني

  ......       

إن أعظم شخص مرّ على البشرية لمحمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو الذي امتن الله به على المؤمنين كما قال سبحانه { لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ، ويعلمهم الكتاب والحكمة ، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } . ولم يقف حد المنّة به صلوات الله وسلامه عليه على المؤمنين فحسب بل كانت بعثته كما وصف الله سبحانه وتعالى بقوله { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } . فهو منة الله على المؤمنين ، ورحمته على العالمين . عليه أكمل الصلاة وأتم التسليم .

وإنه لمن العجيب أن لا يظهر للكثير من الناس من سيرته ، ولا يحفظون من سنته ، إلا الجانب الذي تظهر فيه الشدة ، وتطفو على سطحه العقوبة .

وغاب أو غُيب من سيرته وسنته نماذج ما أنصعها لبيان تلك المنة ، وشرح تلك الرحمة ، الرحمة التي شملت العالمين ، جنا وإنسا وحيوانا ونباتا وجمادا وبيئة .

في سيرته أنموذج عظيم ناصع لموقف المسلم من عدوه ، قبل صديقه ، موقفه ممن يريد خداعه ، ويتظاهر بنصرته وهو يعلم يقينا خبث طويته وفساد نيته .

وموقفه ممن أظهر عداوته وشهر سيفه ، لو تعالم الناس بما جاء في السيرة مع الأعداء والمنافقين لما قرأت أو رأيت أو سمعت أو نقلت تلك الأقاويل العظام بين بني الجلدة من المسلمين يتخاصمون ، ويتقاتلون ويتشاتمون ، يضلل بعضهم بعضا ، ويرمي بعضهم بهضاب البدعة والخروج والجهل والضلال المبين . يقعون فيما نهوا عنه في قوله { ولا تكونوا من المشركين ، من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ، كل حزب بما لديهم فرحون } . ونبيهم الرحمة المهداة والمنة المسداة يحذرهم في أعظم جمع ، وفي أفضل مكان وفي أعظم المناسك بين المشاعر : كل المسلم على المسلم حرام ، دمه ، وعرضه ، ماله .

وإنك لتعجب أن يصبح كل ما نهى عنه صلى الله عليه وآله وسلم هينا وهو عظيم ، فسفك الدم المسلم بيد أخيه ، وانتهك عرضه ، وأخذ ماله ، ووقع الشيطان بينهم بمنزلة المحرش يؤز كل فريق على أخيه أزا .

إن غياب سيرته صلى الله عليه وآله وسلم عن المشهد الدعوي والتربوي سبب رئيس لما نعانيه اليوم من قلة الذوق وسوء الخلق وبذاءة الألسنة ، وما نعانيه أيضا من قذف وفجور في الخصومة وتقاذف بالتهم ، ومزاحمة الحقد والغل والبغضاء لنبتة الإيمان في قلوب المسلمين .

لو نظرنا في سيرته عليه الصلاة والسلام وكيف كان يعامل المنافقين الذين يعلم نفاقهم يقينا ، بل وسماهم لمولاه حذيفة رضي الله عنه ، لتغيرت حالنا مع من نصفهم بالنفاق تخرصا بغير علم ، بل ونجزم بذلك ولا نقول إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين ، فنبني على يقين توهمناه أحكاما ومعاملات ونفتح لأنفسنا أبواب الغيبة والسب والشتم .

ولست بغافل عن الفريق المقابل الذي ليس له هم سوى مراقبة الصالحين ونقد المصلحين وتشويه سمعة المحتسبين وغير ذلك . لكني لست ألومهم وهم بعيدون كل البعد عن هديه وسنته ، صلوات الله وسلامه عليه ، فاللوم إنما هو على من يدعي الذب عن سنته والتمسك بهديه والسير على منهاجه ، صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم هو لا يعمل بهذا السمت والمنهج والسنة والهدي .

فأمسك يدي أخي الحبيب وتعال أحدثك قصة ثابتة من قصص حبيبك صلى الله عليه وآله وسلم ، قصة لو أجلتها في ذهنك ، وحفرتها في سويداء قلبك لما أبقت فيه على مسلم غلا ولا حقدا ، ولملأته تساهلا ، وغضا للطرف ، والتمست له عذرا إذا أساء أو أخطأ .

قصة قصيرة جدا ، لكنها مليئة بالإنسانية ، طافحة بالرحمة ، تفيض شفقة وحنانا ، وتبين لك ولغيرك أن من حمل هذا الدين وعلمناه يصدق فيه القول { وما أرسلناك إلا رحمة للعاملين } .

فلعلك أن تصغي إلي هنيهة ، لألقيها على أذن قلبك ، وأنقشها في بطينه الأيمن . وهي قصة في صحيح البخاري ، ومسند أحمد ، وسنن أبي داود ، ونصها الآتي : كان غُلامٌ يَهودِيٌّ يَخدِمُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فمَرِض، فأتاه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَعودُه، فقعَد عِندَ رَأسِه، فقال له : أسلِمْ . فنظَر إلى أبيه وهو عندَه، فقال له : أطِعْ أبا القاسمِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فأسلَم، فخرَج النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يقولُ : الحمدُ للهِ الذي أنقَذه من النارِ . وفي رواية أبي داود : أنقذه بي من النار .

لك أن تغوص في هذا النص كما تشاء لتنظر في أصدافه فتلتقط منه كيف يخدم يهودي رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، وكيف هو حسن العهد منه ، عليه الصلاة والسلام ، و( كيف؟ ) كثيرة أتركها لعقلك يستنتجها ، ولفكرك يجول فيها ، ولقلبك يتأملها وللسانك يتمتم بها ، ثم حولها إلى عمل تنتهجه ، وسيرة تعمل بها ، ستجد أثرها ، وتقطف ثمرتها بعد حين .


قد يعجبك ايضاً

حاخام يهودي متطرف وعصابات اليهودية يقتحمون #الأقصى_المبارك

اقتحم الحاخام اليهودي المتطرف “يهودا غليك” وعصابات من