{ العلماء يعتريهم ضعف الإنسان }

{ العلماء يعتريهم ضعف الإنسان }

الساعة 8:53 مساءً
- ‎فيكتابنا
890
8
طباعة
عادل-الكلباني

  ......       

العلماء ورثة الأنبياء ، ورثوا منهم العلم والأخلاق ، ومما لا جدال فيه أن العلماء غير معصومين فهم قد يضعفون ، وقد يغفلون ، وقد يحال بينهم وبين الفهم ، أو تغيب عنهم المعلومة ، وقد تنقصهم الخبرة .

وهذا مما قد يلتبس على الذين يأخذون منهم العلم فلا يفرقون بين رأي العلماء وبين الشريعة ؛ لأن العلم الذي ورثوه لا شك قد اختلط بفهمهم ، ورأيهم ، وربما أثر عليه حفظهم وورعهم ، بل مما يؤثر على علم العالم ثقافته واطلاعه ، وجلساؤه .

وشخصية العالم من حيث الحدة واللين وسرعة الغضب أو الحلم . فنشأة العالم لها أثرها في فهمه واختياره ، ولها أثرها في نظرته للنص وفهمه له ، وبالتالي كيف يستنبط الحكم منه .

بل إن الهوى مما قد يؤثر على العالم ، فليس هو بمعصوم من ذلك مهما بلغ علمه ومكانته وقدره . قال شيخ الإسلام رحمه الله : إن الرجل العظيم في العلم والدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، إلى يوم القيامة ، أهل البيت وغيرهم ، قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقرونا بالظن ، ونوع من الهوى الخفي ، فيحصل بسبب ذلك ما لا ينبغي اتباعه فيه ، وإن كان من أولياء الله الصاحين . اهـ .

فالعالم سواء كان فقيها أو غير فقيه فهو بشر قد ينزع إلى هواه ، وقد يغلبه هواه ، وحينها قد يعمد إلى أن يلبس فتواه أو موقفه أو رأيه لباس الفقه والعلم ، ربما وهو لا يشعر . وقد يكون على بينة من ذلك .

وقد ذكر الذهبي الإمام المعروف عن أحد القضاة شيئا ثم قال : والله يسامحه المسكين ، وكان محسنا إلي فلعلي حابيته ، رحمه الله . فهذا إقرار من الذهبي بضعف مقاومته للإحسان حتى حاباه فلم يذكر مثالبه .

بل قال ما ينبغي الوقوف عنده كثيرا في ترجمته لهولاكو وقد أثنى عليه أحدهم : وهل يسع مؤرخا في وسط بلد سلطان عادل أو ظالم أو كافر إلا أن يثني عليه ويكذب !

وهذا أيضا مما قد يؤثر على العالم ، وهو خوفه من السلطان ، أو رغبته فيما عنده ، أو مجاملته له ، وقد يخشى العالم المجتمع ، ويخاف من سقوط هيبته أو يسعى لنيل مكانة فيه ، فيؤثر كل ذلك على قوله واختياره .

وقد يظن أكثر الناس أن الهوى والرغبة لا تكون إلا في التيسير والترخص ، فيظنون أن المتشدد بعُد عن هواه ، أو أغلق باب الرغبات عنده ، وهو ما قد لا يصح ، إذ قد يكون التشديد بابا للعلو ورفعة المنزلة ، كما قد يكون الزهد وسيلة للمراءاة والشهرة !

وقد يظن بعضهم أن عزوف بعض العلماء عن الإعلام والتصدر نابع عن زهد وتقى ، وهذا صحيح لكنه ليس حتما ، بل قد يعزف عن ذلك كله لعدم القدرة ، وقد يكون رغبة في الراحة ، وقد يكون هناك أسبابا أخرى ليس منها الزهد والتقوى .

هذه بعض المؤثرات التي قد تجبر العالم أو الفقيه على رأي أو اختيار ما ، ولو هيئت لنفس ذلك العالم أو الفقيه ظروف أخرى ربما غير رأيه ، وقد يفهم النص بطريقة أخرى .

ولا أخال ما قلت سيصعب فهمه على من تحرر من عقدة التقديس ، ووطن نفسه على التقدير للعالم لا تقديسه ، واحترامه دون الانقياد له بلا ترو ولا عقل وتفكير .

ولو تأمل الناس هذه المؤثرات وغيرها لأسفرت لهم عن أريحية في عذر العالم ، وفي قبول قوله وتفهّم موقفه ، وكذا في العمل به أو لا .

ويظهر هذا جليا إذا تأملت قول الخليفة المنصور لمالك الإمام وهو يدعوه ليؤلف موطأه ، كما ذكرها ابن خلدون في تاريخه ، والقاضي عياض في مداركه ، وشاهدها أنه قال له : يا أبا عبدالله ، ضمّ هذا العلم ، ودوّن كتبا ، وجنّب فيها شدائد ابن عمر ، ورخص ابن عباس ، وشواذ ابن مسعود . اهـ .

وهذا شيء أقره عليه العلماء ، مع أنه كان أحد العلماء ، بل لقد قال لمالك : إنه لم يبق على وجه الأرض أعلم مني ومنك .

ولكي ندرك هذا القول ونعرف أسراره فإنه لا بد من التعرف على شخصية كل منهم ، رضي الله عنهم ، وما هي المؤثرات التي جعلت كل واحد منهم يجنح إلى ما جنح إليه ، مع صحبتهم وفضلهم وعلو كعبهم .

ومما لا شك فيه أن اختيارات كل منهم وآراءه وفتاواه قد أثر فيها شيء من المؤثرات التي ذكرنا ، أو غيرها ، وأهم ذلك شخصية كل واحد منهم وطبيعته .

والممخضة من ذلك كله أن نفرق بين النص وفهمه ، وبين النص وفقهه ، وبين النص كوحي وبين شرحه كاجتهاد . وأن العلماء وإن ورث كل عالم شيئا من علم النبوة ، قل أو كثر ، فإنه لم يرث العصمة ، فعليه نرجع إلى قول مالك رحمه الله تعالى : كل يؤخذ من قوله ويرد عليه ، إلا صاحب القبر . يعني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

وفي ظني لو فهمنا هذه المسألة حق الفهم لزال كثير مما علق في الأنفس على العالم أو أتباعه . ولتلمسنا لهم العذر في بعض مواقفهم ، والله ولي التوفيق .


قد يعجبك ايضاً

الملك يشرّف مأدبة عشاء أمير الكويت

المواطن -واس شرّف خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان