الوطن .. الحب الكبير

الوطن .. الحب الكبير

الساعة 3:12 صباحًا
- ‎فيكتابنا
1295
6
طباعة
الشيخ عادل الكلباني (كاتب)

  ......       

لا نحتاج إلى إثبات ما تقرر في الأذهان ، واستقر في الوجدان ، ونبتت عليه الأركان . الوطن عشق كل إنسان .

وأعني بالوطن الأرض والتراب والبلد والأهل والأصحاب ، والحي ، والمدينة ، والشارع ، والصديق والجار ، وهذه السماء بصفوها ، وحتى وهي مكدرة بالغبار !

الوطن بحره الشديد ، وبرده القارس ، باختلاف تربته ، ومناطقه ، ولهجاته ، وعاداته .

بالنسبة لي تبقى الرياض عروسا تزف في ليلة عرسها ، أحبها ، وكل ما فيها ، يطربني اسمها ، ويسري عشقها في دمي .

سافرت يمنة ويسرة ، رأيت بلدانا جميلة ، مناظرها خلابة ، وأنهارها جذابة ، وتطورها مذهل ، عشت فيها أياما أحس بالسعادة لما أرى ، لكن الشوق إلى الوطن يكدر كل انبساط ، ويقلل سريان الدم في النياط .

أراني أنساق للكتابة عن الوطن لأن بعضهم يظن أن نقد الأخطاء ، أو محاولة الإصلاح تعني كره الوطن ، والتبري منه ، وأنك إذا امتدحت بلدا أو أثنيت على مدينة خارج الوطن أنك قد سئمت بلادك ، واحتقرت مدينتك .

وفي المقابل قد فشى بين الناس أن من امتدح الوطن فهو ( عميل ) ولا أدري ما معنى العمالة هنا ، والظاهر أنهم يتهمون المثني على بعض الحسنات الوطنية ، إنما يسعى لنيل شيء من حطام الدنيا ، أو أنه مجامل للـ ( الحكومة ) وهذا لعمر الله تفكير خطير ، وإلا فإن الاتهام ليس مما يتبرأ المسلم منه ، فكل مسلم متبع للمنهج النبوي الحق لا بد أن يكون على دراية بما تعنيه ولاية الأمر ، وما هو معنى السمع والطاعة ، ولا يغيب عنه أن النصح لولاة الأمر جزء من دينه ، وأن الخيانة لا تجوز شرعا ولا عرفا ، وليست هي من أخلاق النبلاء ، ولا من شيم العقلاء .

فلا يصح لمؤمن أن يعلم شيئا عن مخرب أو مثير لفتنة أو مشعل نار حرب وفرقة وتناحر وتباغض ، إلا أن يأخذ على يد السفيه ويأطره على الحق أطرا ، وينبغي له أن يكون ( عميلا ) يبلغ عنه السلطات ، ويسعى في وأد فتنته ، وإطفاء ناره .

والذي يريد الإصلاح لا يمكن أن يسعى إليه بالطرق التي أثبتت فشلها ، ورأينا أثرها من حولنا ، في انتهاك أعراض العفيفات الغافلات المؤمنات ، وهتك ستر المحصنات ، وسفك دماء أطفال وشيوخ ونساء ، وهدم بيوت بل مدن بأكملها ، وتشريد الملايين حول الدول القريبة يتصدق الناس عليهم ، ويتفرج الغرب على محنتهم ، ويستغل ظروفهم وفقرهم وحاجتهم ، وضعفهم لينشر عقيدته الضالة ، ودينه المنسوخ ، في ظل ضعف المنظمات الإسلامية ، وقلة حيلتها .

إن الوطن له ثمن لا يدركه إلا من فقده ، كالصحة لا يشعر بها إلا مريض ، وكم يتمنى أصحاب المخيمات في الدول المجاورة أن يعيش ولو على رصيف في موطنه ، سلوهم عن الجنة التي فقدوها وهم لا يشعرون ، وهم يجلسون على مائدة في بيت صغير آمنين ، مطمئنين .

وسلوهم كم هي مؤلمة نظرة العطف من الآخرين ، وكم هو مؤلم تخليهم عنهم أيضا .

ولست هنا أحرم الفقير من حقه في أن يطلب الغنى ، أو أن يسعى إلى الراحة ، أو أن يرفع صوته عاليا ذلك العاطل ، يريد عملا ، ويريد بيتا . هذه حقوق ينبغي أن نسعى لتحقيقها ، ونتعاون لإيجادها ، لكن عبر الوطن وفيه ، بالنصح والتكاتف ، وبالنقد البناء الذي يبين العلة ويعين على إيجاد علاج لها ، أما التحريض والسفه والسعي لما يسمى بالثورة أو الخروج على ولي الأمر فهذا ما لا يوجد في قاموس من يؤمن بالله واليوم الآخر .

فيا أخي الحبيب أنت في نعمة ، جاء بها نص السنة النبوية الشريفة : من بات آمنا في سربه معافى في بدنه ، عنده قوت يومه ، فكأنما حيزت له الدنيا .

وإن كنت تظن أن لك حقا قد سلب ، أو أنك قد هضمت وظلمت ، فإن استطعت أن تستعيد مظلمتك دون أن تظلم مجتمعك ومن حولك فحسن ، وإلا فسل الله حقك ، وعند الله تجتمع الخصوم .


قد يعجبك ايضاً

شاهد.. أمير الكويت يُقلد الملك قلادة مبارك الكبير