{ مانديلا }

{ مانديلا }

الساعة 12:47 صباحًا
- ‎فيآخر الاخبار, كتابنا
49770
19
طباعة

ملأني العجب وأنا أقرا كلمات التأبين في موت نيلسون مانديلا ، ذلك الذي ملأ الدنيا ضجيجا بوقوفه ضد العنصرية ، حتى إنه سجن طويلا من أجل ذلك .

منشأ العجب عندي أن المتباكين عليه وعلى مبادئه ونضاله في غالبهم إن لم يكن كلهم يمارسون ما حاربه وسجن بسببه .

هم يقولون إنه ناضل من أجل العنصرية ، وهم الذين يتباهون بالنسب والأعراق ، ويتعايرون باللون والشكل ، وهم الذين يسخرون بالأجنبي ، ويحتقرون الإفريقي ، والبنغالي ، والمصري ، وكل جنسية ليست منهم ! بل هم يفرقون بين المرء وزوجه بحجة عدم تكافؤ النسب !

وهم الذين يتفاخرون فيما بينهم بالمناطقية ، ويوالون عليها ويعادون فيها ! وهم الذين لا يرون في مانديلا نفسه إلا ( العبد ) أو ( الخال ) أو ( التكروني ) ، بل يستعملون النسبة إلى البلد سُبة ونقيصة ، فيقولون : يا نيجيري ، يا مصري ، يا رفيق ! وهكذا ..

إن التلفع بالشعارات يجلب الأتباع ، ويلمع الصورة ، لكنه كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله : المُتَشَبِّعُ بما لم يُعْطَ كلابسِ ثَوْبَيْ زُورٍ . فيبقى الشعار أجوفا لا قيمة له ، ويتبين زيفه عند أول امتحان !

ومما يؤسف له أن غدى أكثر أمتنا اليوم من حاملي الشعارات لا من مطبقيها ، لهذا لم تقم لها قائمة ، وغدت في مؤخرة الركب ، يقضى الأمر وهي غائبة ، ولا تستشار وهي شاهدة !

ولهذا أيضا تستطيع بكل وضوح ودون أي غبش أو قتر أن تلمح عيوبها وتخلفها وبعدها عن الحضارة والصناعة والريادة والعدالة والقيم ، القيم التي جاءت أسسا في شريعتها ، وفخرا في تاريخها ، ونبراسا للمتبعين لها ، لكنهم ضيعوها حين أخلوها من مضمونها العملي ، وصارت مجرد شعار يجذبون به الناس كما في الحديث الآخر ، فهم يأمرون الناس بالبر ولا يأتونه ، وينهونهم عن الإثم ويغشونه .

وكل خطيب يستطيع أن يدبج لك خطبة رنانة بليغة فصيحة ، ويمكنه أن يأتي لها بالشواهد من الآيات والأحاديث وأقوال السلف والخلف ، ويستدل عليها بأصول الفقه وقواعده ، ثم ماذا؟ ثم انظر إلى واقعه وأحواله ستراه ينسف كل القيم التي أصّلها ، والشواهد التي أشهرها لعادة أو تقليد ، أو جاهلية ما زالت تعشعش بين جنبيه ، ولا غرو فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم لأبي ذر ، وحسبك به : إنك امرؤ فيك جاهلية . ولا يمكن لعاقل أن يجعل هذا متكأ ليعلل به جاهلية نفسه أو هواها ، فإن أبا ذر رضي الله عنه ما أن سمع هذ النقد الواضح من حبيبنا صلى الله عليه وآله وسلم حتى بادر بكسر جذع الجاهلية في نفسه ، واقتلاع جذرها ، وعمل ما يسقي نبتة الخلق الإسلامي في نفسه ، فقد رؤي رضي الله عنه بالربذة وعليه حُلَّةٌ وعلى غُلامِه حُلَّةٌ فسأل عن ذلك فقال : إني ساببتُ رجلاً فعيرتُه بأمِه فقال لي النبيُّ صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذرٍّ، أعيرتَه بأمِه ، إنك امْرُوٌ فيك جاهليةٌ .

إن المشدوهين بمانديلا المترحمين عليه لم يكتفوا بمخالفته ، بل هم يحاربون كل من نحى نحوه ، يحاربونه بالتجهيل والتضليل والفتوى ، نعم سيجعلونه منبوذا بحكم الشريعة ، ويصنفونه بأدلتها وأصولها !

فليت المأبنين لمانديلا عوضا عن هذه العبارات العاطفية ، والجدال البيزنطي في حكم الترحم عليه ، ليتهم سعوا في كسر شوكة الجاهلية في نفوسهم ، وطمس جذوة الكبر في قلوبهم ؟ وتحويل الشعارات التي يدندنون بها إلى واقع .

إقرأ ايضا :

ِشارك  على الفيس  بوك
"> المزيد من الاخبار المتعلقة :