عندما تشرئب أعناق الشباب إلى ملايين اللاعبين

عندما تشرئب أعناق الشباب إلى ملايين اللاعبين

الساعة 7:45 صباحًا
- ‎فيكتابنا
15980
7
طباعة

نخطئ كثيرا حين نجعل الوسائل غايات ، فننشغل ببنائها والحث عليها والبذل فيها والمنافسة عليها ، ونغفل عن الغاية التي شرعت الوسيلة لبلوغها وتحقيقها !

وأمثلة ذلك كثيرة ، فحفظ القرآن مثلا وسيلة للعلم والعمل والتدبر والتفكر وصلاح الأخلاق وتفتح العقل ، لكن لما جعلناه غاية أقمنا لها احتفالات ومسابقات وأنشأنا لها جمعيات غفلنا بهذا عن الغاية التي فُضّل الحافظ والقارئ من أجلها وبها ، وهي أن يُرى أثر ذلك الحفظ على الشخص فيكون خلقه القرآن ، كما كان خلق من نزل عليه القرآن ، وكما كانت أخلاق من نزل فيهم القرآن وبين أظهرهم ، ولا ريب أن أخلاقنا بعيدة كل البعد عن هديهم وسمتهم .
والعلم وسيلة للعمل ، فركزنا اهتمامنا في جمع المعلومات والمناقشة فيها ، وغفلنا عن العمل الذي ينبغي أن يبنى على ذلك العلم ، فقلّ العابدون الزاهدون الذاكرون مع كثرة المتعلمين والعالمين ، بل إن العجب ليتملكك وأنت تسمع ألفاظ بعض المنتسبين للعلم وحملة الدرجات العليا فيه !
ومن الوسائل التي جُعلت غاياتٍ الدعوة إلى الله ، فهي سبيل ووسيلة وليست غاية ، فغاية الدعوة الوصول إلى القلوب والعقول لتُعرّفها بخالقها وموجدها ، والسبب الذي خلقت له ، وما هو مصيرها بعد الموت ، وما إلى ذلك ، لكنّ الانشغال بها أخفى الهدف الأصلي منها ، فصار الداعية يظن أنه وصل لكونه داعية ، فلا زاد له ، ولا جهد سوى تثقيف نفسه ، إن حصل ، وظن أن مذاكرة المعلومات مع أقرانه أو بثها على تلامذته أو إلقائها على جموع المصلين تعني أنه قد وصل الغاية وحقق الأمنية ! ولو كانت الدعوة وسيلة للقلوب والعقول في ذهنه لكان همّه ما أهمّ النبي ﷺ حين عاتبه ربه على حرصه الزائد لبلوغ الغاية فقال { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا } { لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين } فهذا هو المفهوم الكامل لمعنى الدعوة الذي رسخ في ذهن المبعوث رحمة للعالمين ، ولما غاب هذا المفهوم عن الدعاة اكتفوا بإقامة العذر لأنفسهم بدعوتهم لبني جنسهم وفي حلق ليس فيها من يخالفهم أو يضادهم !
والتعصب أثر من آثار تحويل الوسائل إلى غايات ، فالتنافس الرياضي على سبيل المثال وسيلة للترفيه والنشاط ، ولكن المجتمع حوله إلى غاية فنتج منه تعصب وفرقة ، وتنابز وعنصرية . وبذلت فيه أموال لا تقارن أبدا بما تنفقه الدول النامية في البحث العلمي ، والدراسات المفيدة . بل أدى ذلك إلى أن غابت جهود الباحثين والمخترعين ، والمتميزين في العلوم والتقنية ، إذ اشرأبت أعناق الشباب إلى الوهج الإعلامي الذي يناله اللاعبون ، والمكاسب الخيالية التي يجنون ، فهم يرون ما يجلبه التنافس الرياضي من ملايين وشهرة وغير ذلك .
ومما كان وسيلة فأصبح غاية ، برامج الحوار ، فقد كان يفترض أن تكون وسيلة للنقد البناء ، وبيان الحقائق وتغيير الفساد ، وتوضيح المبهم ، وتصحيح المعلومات ، لكنها صارت غاية فاكتفى المقدم والمعد لها بالتنافس في الإثارة ولفت الأنظار ، حتى ملّها الناس وأعرضوا عنها .
والنقد كان فيما مضى وسيلة إصلاح وتنبيه بوجود خلل ، فصار اليوم غاية ينبري لها النقاد ، وتفرد لها الصفحات والبرامج واللقاءات ، ويكتفى بالنقد ربحا ورأس مال .
وهكذا أضعنا الغايات بالوقوف عند حد الوسائل ، خلطا منا للمفاهيم ، وتكاسلا عن بلوغ المرام ، لهذا ما تزال أمتنا قابعة في ذيل الأمم ، يتقاذفها القوي منهم مع الأقوى ، فيقضى الأمر وهي غائبة ، ولا تستشهد وهي شاهدة .


ِشارك  على الفيس بوك

للاشتراك في (جوال المواطن) .. ارسل الرقم 1 إلى :

STC 805580 موبايلى 606696 زين 701589
اسأل حساب المواطن
"> المزيد من الاخبار المتعلقة :


قد يعجبك ايضاً

سعود بن عبدالله يكشف تفاصيل أمسيته .. ويؤكد: الشعر سيعود إلى رونقه

كشف الأمير الشاعر سعود بن عبدالله، عن تفاصيل