الملاذ الآمن في غابات الإسمنت !

الملاذ الآمن في غابات الإسمنت !

الساعة 2:53 مساءً
- ‎فيحصاد اليوم, كتابنا
16045
2
طباعة

عبدالعزيز محمد العبيد

في مدنٍ صحراوية –كالرياض- خالية من الأنهار والشواطئ والتلال المتوشحة بضباب الطبيعة، تلمؤها طوابير السيارات وأرتال الشاحنات وهدير الحفّارات وأكوام البنايات الإسمنتية التي تمتد حيثما يمتد البصر؛ قد تتلاشى  مظاهر العلاقة الصحية بين الإنسان والأجواء العامة.

ورغم أن الرياض تتلألأ في سواد الليل الداكن كراقصة جميلةٍ لعشاقها في أوقات محدودة من فصلي الربيع والشتاء إلا أنها قد لا تدوم على ذلك بسبب مناخها الساخن وصيفها المتمدد على ثلثي بساط السنة؛ فأي الملاذات إذاً أكثر أمناً وأقرب لُطفاً وأيسر ارتياداً وسط غابة إسمنتية تخلو من مقومات السياحة الطبيعية في لهيب صيفٍ حارق تتطاول ساعاته لتناهز الثلاث عشرة ساعة وتحت أشعة شمس لا تصطبر على لفحها حدائقُ الرياض الضافية في أطراف أحيائها؟ الجواب يعرفه كل من أضنى دابته الحديدية التي تحمل في أحشائها وقوداً يتلظى بحثاً عن مكان (مجرد مكان) ليتنفس فيه الصعداء .. إنها (المولات التجارية).

“المولات التجارية الحديثة” فكرة رائدة لو تم تحويرها لتشمل كافة الأنشطة الترويحية والاجتماعية والثقافية والتعليمية بل والرياضية، إن الهندسة المرنة لتصاميم المولات التي تضمن مرافق الاحتياجات الأساسية لكل مرتاد، وتحقق مستويات عالية من معايير الأمن والسلامة والرقابة ومخارج الطواريء، وديناميكية التنفيذ التي تحقق نمواً سريعاً في البناء والتأسيس،بل وتمنح القدرة على تغيير التصاميم وتحريك القواطع الداخلية وتجديد الديكورات والإضاءات والتبريد ووسائل الرفاهية المتعددة، فضلاً عن كونها واجهة سياحية مهمة، وفضلاً عن كونها خياراً استثمارياً لتدوير رؤوس الأموال على كافة الأصعدة والمستويات؛ ما جعلها في بعض الدول القريبة والبعيدة عنصر جذب سياحي تتقافز من حولها وفي وسطها شواهق الفنادق العالمية.

كل تلك المحفزات تتطلب منا التفاتة جادة إلى هذا الخيار الملهم وعصفاً ذهنياً لتوليد الأفكار المتجددة لاستغلال هذه النماذج الهندسية والاستثمارية في سبيل احتواء أفراد العائلة فرداً فرداً (الكبير والشاب والفتاة والأطفال بأعمارهم المختلفة) في مكان واحد ..

(المولات) لدينا اليوم تتشكل بنمط متشابه من حيث موضوع النشاط ونطاق الاستغلال وهو تجارة الملابس والمستلزمات النسائية ولذلك النمط الواحد ما يبرره فـ”رأس المال جبان” كما يقولون وقد يغدو من الصعوبة بمكان أن نطالب المستثمرين بتخصيص أجزاء من المولات الحديثة في نشاطات اجتماعية وشبابية وثقافية نظراً لضبابية العائد الاستثماري؛ إنما أدعو أمارات المناطق والهيئة العامة للترفيه إلى تعليق الجرس وتبني شراكة فاعلة لتحوير هذه الملاذات الناجحة بما يضمن توسّع نشاطاتها وتعدد فوائدها وتوسيع نطاقها لتشكِّل بالتزامن مع الجهود الأخرى واجهة سياحية جاذبة ومحضناً آمناً يمارس فيه الشباب أنشطتهم الترفيهية والثقافية بحيوية وأمان وتجتمع فيه متعة الكبير والصغير تحت سقف واحد، سيما وقد اتضح الأثر الإيجابي الذي حققته وتحققه أمارات المناطق مشكورة بإقامة بعض المعارض والأنشطة الاجتماعية والمهرجانات الترفيهية في صالات هذه المولات، وغنيٌ عن القول كم هو جميلٌ مجرد التفكير فيما سيحققه توسيع نطاق المولات بالنسبة لأصحاب المعارض التجارية داخلها من استدامة لعملية التسويق والعرض وجذب العملاء طوال أيام العام، وتحريك لعجلة الاقتصاد على المستوى الوطني. .

إن ما تحتاجه مولاتنا المجهزة هندسياً هو أن تجهَّز بالتوازي مع ذلك اجتماعياً وثقافياً وتوعوياً وترفيهياً فلم تعد اليوم مجرد سوق يبتاع منه الناس ما يحتاجون إليه، بل غدت خياراً واقعياً يتسم بالمرونة والفاعلية، وبطبيعة الحال فإن هذا الخيار لا يعني –بحال- إهمال التشجير وضرورة موائمة الأبنية الحديثة مع الساحات والمسطحات الخضراء في مدننا كافة.

إن الإقبال الكثيف من كافة فئات المجتمع على هذه المولات هرباً من لهيب الشمس الحارق أو بحثاً عن متعة تجمع بين ألوان زاهية من التسوق والترفيه؛ هو الدراسة الناجحة لجدوى الالتفات إلى المولات التجارية وتوسيع رقعة أنشطتها لتشمل ترفيه الكبار قبل الصغار واحتواء الشباب والفتيات وانطلاق الحملات التوعوية والدورات التثقيفية والمهنية من منصّتها واستدامة تشغيلها وتفعيلها؛ فقد أصبحت ملاذاً آمناً وسط غابات الإسمنت التي تلهب ساكنيها بالاحتباس الحراري وجفاف الطبيعة.

———————————

* باحث ومستشار قانوني

تويتر :  ALOBID100@

اسأل حساب المواطن
"> المزيد من الاخبار المتعلقة :


قد يعجبك ايضاً

بالصور.. العالم يُظلم في ساعة الأرض

أحيت بلدان العالم مساء اليوم السبت، ساعة الأرض،