السودان تداعب حلم التغيير بعد التخلّص من الإخوان

بتاريخ :2019/05/05
المواطن ـ رقية الأحمد:

يعتبر الواقع الاجتماعي في السودان، معقدًا، فهو خليط ما بين الطائفية الدينية، والقبلية والمناطقية، وتيار وسطي محافظ واسع، رابط بين الدينية والقبلية. وتمثل الرغبات السياسية العجولة للقفز على هذا الواقع، خِفة سياسية، تقود لتجريب المجرب، واجترار الخيبات، في حين أنَّ السودان حقيقة يحتاج لانتقال جديد وتاريخي، ويحتاج لقطع الطريق على عودة جماعة “الإخوان المسلمين” (المصنفة إرهابية دوليًا) بثوب مدني إلى السلطة.

ولأنها الثورة الرابعة في التاريخ السوداني الحديث، فإن أنصاف الساسة وقصيري النظر، والمتعجلين لرغباتهم، يجب ألا يمنحوا الفرصة هذه المرة، لإفراغ ثورة الشعب العظيمة للمرة الرابعة، من مضمون جديد وتقدمي، يقوده فكر مستنير، يبتعد عن الهتافية والديماجوجية، ويقدح زناد الاستنارة والحكمة.

السودان نحو عقد اجتماعي جديد

مرات عديدة، نال بها السودانيّون استقلالهم، ليس من الاحتلال الخارجي وحسب، بل من المنظومات السياسية والعسكرية التي تلاحقت على قيادة الشعب السوداني، وفشلت في خلق اتصال فكري بين السلطة والشعب، لاسيما في العقود الثلاثة الأخيرة، التي حكم فيها عمر البشير الخرطوم، تحت شعار “الإخوان المسلمين” (إعادة صياغة الإنسان السوداني)، المبدأ فاشي الذي سبقهم إليه هتلر وموسوليني وستالين، والذي يهدف إلى تدخل السلطة السياسية في كل مناحي الحياة، وتوجيه الأفراد إلى سلوك محدد من صياغة الدولة وأجهزتها القمعية، لأنه لابد من استخدام العنف والإرهاب لغرس القيم والسلوكيات التي تريدها الدولة.

استخدم الإسلامويون المناهج التعليمية والإعلام وقانون النظام العام، والخدمة الإلزامية، والجهاد، وتجاهلوا أهم قاعدة إنسانية وهي قوة الثقافة، وأنَّ الإنسان يستحيل إجباره على فعل أو تصرف إذا لم يقتنع بنفسه ومن داخله، مهما كان عسف القوة الخارجية والقسرية، فهو يستطيع التحايل عليها والالتفاف حولها.

من هنا كانت المفاجأة أنَّ الجيل الذي ولد ونشأ خلال سنوات الإنقاذ هو الذي ثار عليها، واقتلعها، فقد ولد شباب الثورة خلال حكم الإسلامويين وتعلم في جامعاتهم التعيسة، ولكنه كان يعيش في عصر العولمة والإنترنت.

الثورة السودانية خارج أسر الآيديولوجية:

قاد ثورة السودان الشباب ليس بحكم الفئة العمرية بل بحكم العقلية، وطريقة التفكير والتنظيم، كما كشف وجود المرأة السودانية في مقدمة الثورة عن تغيير اجتماعي – ثقافي عميق طال المجتمع السوداني، إذ أنَّ النظام الذي فرض الحجاب بطرق مختلفة، وقام بجلد الفتيات في الشارع العام، صدمته المرأة السودانية بهتاف: “تسقط بس”.

وترعرع شباب الثورة خارج أسر الآيديولوجيات التي خنقت الأجيال وسجنتهم داخل استقطاب حاد من ثنائيات فكرية ودوغمائية، وهو ما صار يتطلب مرحلتين أساسيتين في التغيير، تبدأ بالإقلاع السياسي، عبر نظام برلماني حديث وانتخابات حسب التمثيل النسبي، والإقلاع التعليمي، عبر إعادة كتابة المناهج التعليمية وتحويل جامعات الإنقاذ إلى كليات مهنية وفنية، ومراجعة كل الشهادات والدرجات فوق الجامعية التي منحت خلال السنوات الثلاثين الماضية من طرف جامعات النظام.

ومما تحتاجه السودان أيضًا في المرحلة الراهنة، الإقلاع الثقافي والفني، عبر إنشاء مسارح وتشجيع الفرق الفنية وتدريس الموسيقى في المدارس، وإدخال فكرة قصور الثقافة، وتصفية كل الكوادر التي فرضتها حكومات الإنقاذ (الإخوانية) على المؤسسات الثقافية والإعلامية لأن تعيينها قائم على الولاء الحزبي وليس الكفاءة والقدرات.

 

الغالبية الصامتة تداعب الحُلم:

في حالة النهوض الثوري العام في أي بلاد، تتكون الكتلة الحرجة من جماهير عامة، لا منتمية سياسياً لحزب بعينه، تنحاز لها القوى السياسية المنظمة والقوى المهنية، وتنشأ الكتلة الحرجة وتتسيد المشهد السياسي الثوري، وتسقط النظام، وهو وما رأيناه في السودان متحققًا.

وهنا نطرح سؤالاً يداعب خيال العديد من الساسة والمفكرين، ألا وهو: “لماذا لا تصبح الكتلة الحرجة حزباً سياسياً دائمًا في البلاد، ليقطع الطريق أمام الأحزاب التاريخية من قيادة المراحل الديمقراطية؟

هذا الحلم، يعني بالضرورة التوجه إلى الحكم المدني، وفق دستور يكون هو عنوان الحكم الديمقراطي، ولازمة من لوازمه. والحكم الديمقراطي كما هو معروف هو حكم الشعب، بواسطة الشعب، لمصلحة الشعب. وبما أنَّ السيادة للشعب، الذي ثار على سلطة جنرالات الإخوان وقائدهم عمر البشير، فإن الشعب هو الذي استطاع أن يفرض إرادته، ويفرض سلطانه؛ عندما خرج في مظاهرات مستمرة منذ الثالث عشر من كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، في طريق ثورته غير هياب ولا وجل، حتى استطاع أن يفرض إرادته بإسقاط النظام.