علامَ يقتل الرجل أخاه ؟

بقلم: د. ظافر بن خزيم الأثلي الشهري*

لقد جاء الإسلام والشرائع السماوية من قبله بحفظ الضرورات الخمس وصيانتها والمحافظة عليها قال الإمام الشاطبي: “اتفقت الأمة، بل سائر الملل على أن الشريعة وُضعت للمحافظة على هذه الضروريات الخمس وهي: الدين والنفس والنسل والمال والعقل”، وذلك لأن مصالح الدين والدنيا مبنية على المحافظة عليها، فبذلك يعيش المسلم في هذه الدنيا مطمئنًا يعمل لدنياه وآخرته، ويعيش المجتمع المسلم أمة واحدة متماسكة كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وكالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

ومن هذه الضرورات حفظ النفس، والذي يأتي في المرتبة الثانية بعد حفظ الدين الذي به نجاة الإنسان وسعادته ولأجله أنزلت الكتب وأرسلت الرسل {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} فما كان حفظ النفس ليكون في هذه المرتبة بعد الدين إلا لأهميته ومكانته، ولذلك نجد الإسلام اعتنى بهذا الأمر عناية بالغة، واهتم به اهتمامًا شديدًا، فشرع التدابير الكثيرة والتوجيهات العظيمة للمحافظة عليها؛ لأن النفس البشرية غالية وثمينة، والمحافظة عليها أمانة ومسؤولية، والاعتداء عليها وإزهاقها جريمة بشعة وسلوك إجرامي مشين؛ لذلك نهى عن قتل النفس ورتب عليه أكبر الوعيد {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا} ونهى عن قتل الآخرين {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا.. الآية} بل مَن قتلها {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} بل من ساهم في نجاتها وحياتها {فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} بل قال عليه السلام: (ولا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصبْ دمًا حرامًا) وقال: (مَن قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة).

بل نجد الإسلام ذهب إلى أبعد من ذلك في حفظ النفس البشرية، فحرم عليها من الأكل ما يضرها، ورخّص فيه حال كان سببًا لنجاتها من الهلاك والموت {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} ونهى عن الإسراف في الأكل والشرب ورخص في إفطار المريض والعاجز والمسافر والحامل حفاظًا على حياتهم ورحمة بهم، بل رخص في ترك الجمع والجماعة حال خوف الضرر وشرع القاعدة المعروفة (لا ضرر ولا ضرار).

بعد هذا العرض، أخي القارئ الكريم رأيت حرص الإسلام في حفظ النفس البشرية وصيانتها من التلف، وأنت بلا شك تسمع وترى ما يمر به العالم من أزمة عظيمة وبلاء كبير أثّر في جميع جوانب الحياة العالمية، بل إن بعض الدول المتقدمة سقط اقتصادها، وانهار نظامها الصحي، وهلك الناس، ووقفت عاجزة عن تقديم العون لهم.

ونحن في المملكة العربية السعودية تفضّل الله علينا بقيادة حكيمة، تستشعر المسؤولية، وتسعى لحفظ الضرورات التي حرص الدين على حفظها، وتعطي الأمور قدرها، وتضع المحافظة على شعبها نصب أعينها، فلم يكن منها إلا أن قادت مبادرات استباقية، وسعت إلى إجراءات احترازية؛ للحفاظ على سلامة الناس وحياتهم، وكان شعارها الإنسان أولًا، وكلّفها ذلك الكثير من الناحية المادية والاقتصادية إلا أنها جعلت حياة الإنسان أغلى من ذلك وأهم.

قامت الدولة وفّقها الله بقيادة ملكٍ ذي حزم وولي عهدٍ ذي عزم بجهود مذكورة مشكورة للمحافظة على مواطنيها والمقيمين على أراضيها، واستعانت بالله تعالى، وبذلت الأسباب المشروعة، وطمأن القائد الوالد شعبه وأبناءه، بأن الدولة لن تترك جهدًا في سبيل تقديم أفضل الخدمات الصحية، وتأمين الغذاء والدواء والرعاية، رغم صعوبة المرحلة، بل قامت برعاية أبنائها خارج الوطن، فوفرت لهم المساكن الفاخرة، وكلفت سفاراتها بمتابعتهم، وأرسلت لهم الطائرات لإعادتهم إلى بلدهم الكريم، حيث الأمن والرعاية، بل قدمت العلاج والرعاية للمخالفين لأنظمة الإقامة، وقدمت المساعدة والمال لبعض المتضررين من دول العالم، وعقدت القمة الافتراضية لحث العالم على مكافحة هذا الوباء حفاظًا على البشرية، وضربت أروع الأمثلة في الإحسان والإنسانية؛ مما جعلها محل إشادة المنظمات الدولية والصحة العالمية، وهي بذلك تعكس صورة الإسلام الحقيقي الذي جاء للحفاظ على النفس البشرية.

وهنا قامت الدولة بدورها في الداخل والخارج، وبقي دورنا نحن أبناء الوطن في الالتزام بالتعليمات وطاعة ولي الأمر امتثالًا لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} وقول نبينا صلى الله عليه وسلم: (من أطاع الأمير فقد أطاعني) فيجب هنا الطاعة والالتزام بالتعليمات والأخذ بالنصائح والتوجيهات للحفاظ على سلامتنا وسلامة مجتمعًا وسلامة من نعول: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته).

أخي الغالي: نحن نمر بمرحلة حرجة واستثنائية تحتاج بعد التوكل على الله والدعاء والرجوع إليه إلى تضافر الجهود والوقوف مع الدولة والجهات المعنية لتجاوز هذه الأزمة، وكلنا مسؤول، وكلنا أمام مرحلة تاريخية حاسمة نحتاج أن تمر فيها الأمور بسلام، وأن نتذكرها بعد أن يمنّ الله علينا بالنجاة منها، وقد تحقق للدولة نجاح خططها في مكافحة الوباء، فتكون ذكرى فرحٍ بالسلامة، وفخرٍ بالإنجاز لا ذكرى حزن بفقد حبيب وألم ومعاناة.

فلا تكن أخي الحبيب بعدم تجاوبك واهتمامك سببًا في نقل الوباء إلى أهل بيتك أو والديك أو جارك أو صديقك، فعلامَ يقتل الرجل أخاه بتهاونه واستهتاره وعدم مبالاته؟

*عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية


المصدر :https://www.almowaten.net/?p=2707841