حضارة وهمية وتاريخ كاذب

2021-06-29 الساعة 1:33
حضارة وهمية وتاريخ كاذب
بقلم : د. عبدالله بن مترك

التاريخ هو ماضي الأمم التليد، الذي يُخبر الشعوب عن سيرة الآباء وأجداد الأجداد، وما واجهوه من صعاب وتحديات في مراحل ما، ولأن التاريخ يُعيد نفسه، تسعى الشعوب إلى استلهام الدروس المُستفادة من أحداث الماضي، لبناء مستقبلها بشكل أفضل يتناسب مع مستجدات العصر.

والتاريخ لحقبة معينة شهدت أحداثاً ما، مهمة صعبة وحساسة، لأنها تحتاج إلى مؤرخين ينزهون أنفسهم من كل ميل، هؤلاء عليهم كتابة الأحداث بكل حيادية، موقنين أنهم محاسبون أمام البشرية، إن هم غيروا في الأحداث قيد أنملة، وإذا حدث، فلن تسامحهم الشعوب على جريمتهم تلك.

ولكن التاريخ في تركيا له آلية أخرى في كتابته وتأليفه، فهو لا يحتاج إلى مؤرخين متخصصين، أو إلى نزاهة وحيادية، وإنما إلى قرارات وتوجيهات من ساسة، يوجهونها إلى كتّاب دراما لا ذمة لهم ولا ضمير، يجيدون تفصيل التاريخ من جديد كيفما شاء السياسي وكيفما تمنى وأراد، ولا مانع لديهم أن يبعثروا صفحات التاريخ، ويسقطوا الأحداث التي لا يريدونها، ويأتوا بأحداث أخرى، تُحول الفشل إلى نجاح، والهزائم إلى انتصارات، والخزي والعار إلى فخر واعتزاز، متوهمين أن العالم من حولهم سيصدقهم ويصفق لهم على تلك الجرائم.

يبدو أن العصبية “العثمانية” التي فشلت في تحقيق أحلامها على أرض الواقع، وجدت ضالتها في ميدان الدراما، فأوعزت إلى الكتّاب بأن يصنعوا هذه الأحلام في أعمال فنية، وتسويقها في دول العالم، ولأن “التكرار يُعلم الشطّار”، لا مانع من إعادة وتكرار الأكاذيب التاريخية على آذان مستمعيها، في أجزاء متتابعة، كل جزء يستمر 100 حلقة وأكثر، حتى يقتنع المشاهد- ولو بالقوة الجبرية- أن ما كل يشاهده هو التاريخ الصحيح، وليس التاريخ الموجود في الكتب والمجلدات.

الأمثلة على تزييف التاريخ، عبر الدراما التركية، كثيرة ومتعددة، نجحت في رفع ضغط المؤرخين حول العالم، الذين تبرؤوا مما تصنعه تركيا، ولعل في “قيامة أرطغرل” خير مثال على أن الأتراك يشوّهون التاريخ عمدًا، ويتغنون بما يصنعون. فالمسلسل عبارة عن دراما تستند إلى قشور تاريخية ليس أكثر، أو بمعنى أدق إلى أساطير وخرافات، ليس لها وقائع محددة المعالم، ولكن المسلسل حوّلها- بقدرة قادر- إلى أحداث حقيقية، فشخصية “أرطغرل” حقيقية، لكن التفاصيل الأساسية الخاصة بالأحداث بها إسقاطات درامية مفتعلة، بعيدًا عن المعلومات التاريخية، وأقل وصف لهذا المسلسل أنه “شبه تاريخي” وليس تاريخيًّا، ورغم ذلك، لم تعترف الدراما التركية بذلك، وزيّفت الأحداث مع سبق الإصرار والترصد.

نحن أمام جريمة دولية متكاملة، إن صح التعبير، جريمة تتلاعب بعقول البشر، وتُغيب عقولهم، جريمة تستميل الأجيال الجديدة، وتحشو عقولهم بكل ما هو خادع ومزيف ومفبرك، هذه الجريمة لا تقل خطورة عن جريمة تزييف العملات، أو تغييب العقول بالمخدرات أو الأموال أو الأفكار الهدامة لممارسة الإرهاب، ولابد من وقفة صادقة أمام مثل هذه التصرفات، التي تؤسس لحضارات تركية وهمية، وتاريخ كاذب.

 

* كاتب سعودي