“المقطان”.. الآبار التاريخية في الحدود الشمالية تحفظ ذاكرة الماء والاستقرار

الخميس ٣٠ يوليو ٢٠٢٦ الساعة ٩:٠٧ مساءً
“المقطان”.. الآبار التاريخية في الحدود الشمالية تحفظ ذاكرة الماء والاستقرار
المواطن - واس

مع اشتداد حرارة الصيف، كانت موارد المياه في منطقة الحدود الشمالية ترسم ملامح الحياة في البادية قديمًا، إذ يتجهون إليها في موسم يُعرف محليًا بـ”المقياظ” أو “المقطان”، وتتحول مواقع الآبار الدائمة إلى محطات للاستقرار المؤقت، تلتقي فيها الأسر وتستمر أنشطة الرعي والتنقل، في صورة تعكس المكانة التي احتلتها المياه في تاريخ المنطقة.
وتحتضن الحدود الشمالية عددًا كبيرًا من الآبار اليدوية التاريخية التي حُفرت قبل مئات وربما آلاف السنين، بجهود بشرية دقيقة؛ لتؤمن المياه للسكان والمسافرين، وتسهم في استقرار التجمعات البشرية واستمرار الحياة في البيئة الصحراوية.


وأوضح المهتم بالتاريخ والآثار خلف الغفيلي، لـ”واس”, أن مواقع “المقطان” كانت تمثل مراكز موسمية للحياة الاجتماعية والاقتصادية في البادية، ولم تكن مجرد آبار للشرب، بل محطات للاستقرار المؤقت، وتبادل المنافع، وتوثيق الروابط الاجتماعية بين سكان البادية، وأسهمت في استمرار حركة الرعي والتنقل عبر مسارات الصحراء، مشيرًا إلى أن اسم “المقطان” مشتق من الفعل “قطن” بمعنى أقام واستوطن في مكان معين، حيث يجتمع أهل البادية ويُقال لهم “قطين” لأنهم يقيمون حول مصادر المياه ولا يبرحونها طوال فصل الصيف.
وبين أن هذه الآبار تنتشر في مواقع عدة، من أبرزها الدويد، والهبكة، وقيصومة فيحان، وحدق الجندة، وأعيوج لينة، والمصندق، والخشيبي، وقليب غنيم، والحفيرة، وزبالا، وغيرها من المواقع التي ارتبطت بتاريخ القبائل، وشكلت لعقود طويلة وجهات رئيسة للمقياظ خلال أشهر الصيف.
وأفاد الغفيلي أن كثيرًا من هذه الآبار ما زال يحتفظ بشواهده العمرانية التقليدية، التي تجسد مهارة الإنسان في استنباط المياه وحفر الآبار في البيئات الصحراوية، مؤكدًا أن المحافظة عليها وتوثيقها يُسهمان في إبراز الإرث الثقافي للمنطقة، وتعزيز حضورها ضمن مسارات السياحة التراثية والثقافية في المملكة.
وتشير الشواهد التاريخية إلى أن هذه الآبار تجاوزت دورها بوصفها موردًا للمياه، لتصبح معالم حضارية توثق علاقة الإنسان ببيئته، وتعكس ما امتلكه من خبرة في استثمار الموارد الطبيعية والتكيف مع ظروف الصحراء، كما تمثل جزءًا أصيلًا من ذاكرة المنطقة وتراثها الإنساني.
وتبرز هذه المواقع اليوم بوصفها مقومات واعدة للسياحة الثقافية والتراثية، في ظل ما تحمله من قيمة تاريخية وإنسانية، الأمر الذي يعزز أهمية المحافظة عليها وتوثيقها، لتبقى شاهدًا على مرحلة كان فيها الماء محور الحياة، وإرثًا يروي للأجيال قصة الاستقرار والصمود في بادية الحدود الشمالية.

 

تعليقك على الخبر
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني | الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *
التعليق
الاسم
البريد الإلكتروني

إقرأ المزيد