الأمن الذاتي في عصر التقنية

2022-12-01 الساعة 4:00
الأمن الذاتي في عصر التقنية
بقلم - د. شجاع بن متعب ابن غميض

مع أهمية التقنية واستخداماتها في هذا العصر المتطور والمتجدد، وما تحققه من فوائد عظيمة وما تقدمه من خدمات جليلة تصب في خدمة الإنسان وراحته من خلال توفير المعلومات اللازمة التي تساعده على تحقيق متطلباته واحتياجاته بكل يسر وسهولة، سواء كانت تلك المتطلبات عملية أو علمية؟
فالعملية هي على سبيل المثال: إنهاء الطلبات المرادة عبر المنصات الإلكترونية وغيرها، والعلمية هي ما يتوفر من الثروة المعلوماتية وتعدد أوعيتها الالكترونية، والتي أصبحت في متناول الجميع ومتوفرة لمن يشاء متى ما أرادوا وفي أي موقع كان، ومع هذه الفوائد العظيمة، برز عدد من الظواهر والمخاطر التي تحيط بمستخدمي وسائل التقنية، من أبرزها تهاون البعض في الالتزام بالقيم والمبادئ، والتجرد من الخلق القويم في بعض السلوكيات؛ كانتهاك الخصوصية، والوصول للبيانات والمعلومات التي تسجل كمتطلبات أساسية على تلك المنصات والأنظمة الالكترونية، واستخدامها من قبل السيئين والمتسللين (القراصنة) لغير ما وضعت له، مما يضاعف مسؤولية الشخص تجاه ذاته وعليه أخذ الحيطة والحذر لتأمين نفسه من المخاطر المحتملة التي تحيط به، ويتنبه للتصرفات والإجراءات العملية أو الفكرية التي يمارسها.

وما يحصل في الآونة الأخيرة وما تتناقله وسائل الإعلام الرسمي وغيرها من تحذيرات وتنبيهات لما يحصل من اختراقات للخصوصية، وما ينتج عنه من مشاحنات وقضايا بين الناس يصل بعضها للجهات الأمنية وبعضها للقضاء بسبب التجاوز والتعدي على الخصوصية، ومخالفة قواعد السلوك الصحيح، والتفسير الخاطئ لمساحة الحرية المتاحة في هذا العصر، والفهم القاصر أصلا لمعنى الحرية، مما يضاعف على الشخص مسئولية حماية ذاته ومن يهمه أمرهم من خلال السبل المتاحة والتي تحقق له الآمن الذاتي.

ومن المعلوم أن الآمن الذاتي يعني الطمأنينة وعدم الخوف، وهو ثمرة الجهود التي يبذلها الشخص لتأمين نفسه من المخاطر والأضرار، ومن مبادئ التي تساهم في تحقيق الأمن الذاتي مخافة الله جل وعلا في السر والعلن، والاعتماد عليه سبحانه وتعالى كما أمرنا والأخذ بالأسباب، والالتزام بالمبادئ والأخلاق الإسلامية الحميدة التي بينت الحقوق والواجبات، وكفلت الحرية والخصوصية للناس، فالحرية لا تؤتي ثمارها إلا بالممارسة الصحيحة لها، مع اتخاذ الشخص للإجراءات الوقائية اللازمة لحماية ذاته، وحماية الذات له شقان: الأول حماية الذات من ضرر الآخرين، وهذا هو الشائع بين الناس وهو الجانب الظاهر بشكل أكثر في الحياة العامة، وهو ما نجده في الثقافة العربية بشكل واضح من خلال ما تناوله الشعراء في أدبهم عبر الأزمان حتى أصبح من مفاخرهم حيث قال عمرو بن كلثوم التغلبي في قصته الشهيرة مع ملك الحيرة عمرو بن هند: (ألا لا يجهلن أحدٌ علينا….فنجهل فوق جهل الجاهلينا).
مع الأخذ بالاعتبار أن هذا هذه النزعة الانتقامية كانت هي السائدة في العصر الجاهلي وهي السبب بتسمية بهذا الاسم كما قال بذلك بعض الباحثين، قبل أن يهذب الإسلام نفوسهم وسلوكهم.

والجانب الآخر للأمن الذاتي هو حماية الشخص لذاته من ذاته فالنفس أمّارة بالسوء، ومن رأي الشخصي أن هذا الجانب هو الأهم، لأنه سبب مؤثر لنشر ثقافة الحقوق ومعرفة حدود الحرية، وتحقيق العدل، ومن أهم مقومات الآمن الذاتي التصالح مع الذات واعتماد منهج الصدق والأمانة في القول والعمل، وان يحاسب الشخص ذاته قبل أن يحاسب، فكل ما يقوله أو يفعله المرء سيحاسب عليه عاجلا أم اجل، والعاقل الكيس الفطن من أدرك ماله وما عليه، وأدرك حقوقه وحقوق غيره، واعدَ العدة لكل خطوة يخطوها وفكر في نتائجها وفيما ينفعه قبل ما يضره، فالآمن الذاتي سبب للطمأنينة، والشعور بالرضا في أقدار الله بعد أخذ الأسباب.

والله ولي التوفيق …

تعليقك على الخبر
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني | الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *
التعليق
الاسم
البريد الإلكتروني

  • عايد ثروي الحربي

    ما. شا الله. مقال. ممتاز واصاب. كبد. الحقيقه وجزاك. الله. خير. دكتور. شجاع وكثر الله. من. امثالك