مشكلاتنا الصحية والتعليمية والاجتماعية نجمت عن ممارسات خاطئة تجاهلناها

نسبة الفساد في مجتمعنا انخفضت كثيرًا بفضل ملاحقة أصغر القضايا

الخميس ٣١ أغسطس ٢٠٢٣ الساعة ٩:١٩ صباحاً
نسبة الفساد في مجتمعنا انخفضت كثيرًا بفضل ملاحقة أصغر القضايا
المواطن - فريق التحرير

أكد الكاتب والإعلامي فهد الأحمدي، أن نسبة الفساد في مجتمعنا انخفضت كثيراً بفضل ملاحقة هيئة الفساد أصغر القضايا وأبسط الحالات “كالوساطة الشخصية وتسلم الهدايا العينية”.

وأضاف الكاتب في مقال له بصحيفة “الاقتصادية”، بعنوان “نظرية النافذة المكسورة”، أن الفكرة هنا هي أن التهاون في حالات الفساد الصغيرة، يبعث برسالة كبيرة مفادها أن لا أحد يهتم، ولا أحد يحاسب، ويمكن للجميع التمادي وتكرار الفعل وتحقيق مكاسب أكبر “لدرجة وصلنا في الماضي إلى مرحلة علنية وصريحة من الاستهانة بالمال العام”.

وتابع الكاتب “غير أن مشكلاتنا لا تقتصر على الفساد المالي، كون معظم مشكلاتنا الصحية والتعليمية والاجتماعية هذه الأيام، قد نجمت عن ممارسات خاطئة في الماضي تجاهلناها حتى تضخمت وتحولت إلى ظاهرة تصعب معالجتها في الحاضر”.. وإلى نص المقال:

مراقبة السلوك المجتمعي

عالم الاجتماع فيليب زمباردو، أجرى عام 1969 واحدة من أشهر التجارب في علم الاجتماع والجريمة. فقد قام بترك سيارتين فاخرتين بأبواب مفتوحة ولوحات مفقودة في منطقتين مختلفتين.

المنطقة الأولى: حي فقير يشتهر بعصابات الجريمة والمخدرات، أما الثاني فحي راق يسكنه الأثرياء والطبقة الأكثر تعلما في المجتمع.

سكان الحي الفقير بدأوا من أول يوم بسرقة السيارة ونزع أجزائها المهمة ودمروها بالكامل خلال ثلاثة أيام، أما سكان المنطقة الراقية، فلم يتعرضوا للسيارة المهجورة لدرجة سئم زمباردو من الانتظار وكسر بنفسه نافذة السيارة الأمامية. وحينها فقط بدأ سكان الحي “الراقيين والمتعلمين الذين لم يخالفوا القانون في حياتهم” بكسر مزيد من النوافذ وسرقة أجزاء السيارة وتدميرها خلال وقت مساو للحي الفقير.

النوافذ المكسورة

وفي 1982، أجرى جيمس ويلسون عالم الاجتماع، وجورج كلينج عالم الجريمة، تجارب مماثلة في مناطق مختلفة، شملت مباني ومصانع وممتلكات حكومية، وأكدا رسميا نظرية النوافذ المكسورة أو Broken window theory.

تتلخص النظرية في أن إهمال معالجة أي مشكلة “صغيرة” يفاقم موقفنا السلبي تجاهها، وتترتب عليها مشكلات أكبر وأخطر.

في المقابل، تضمن سرعة معالجة المشكلة الصغيرة عدم تضخمها وانتشارها، وتوجد سلوكا إيجابيا من الناس حيالها.

وبفضل هذه النظرية، عمدت معظم المدن الأمريكية لتشديد المخالفات على أبسط التصرفات السلبية، خشية تضخمها وتحولها إلى ظاهرة يصعب احتواؤها، كما وضعت آليات لتنظيف وإصلاح نتائج التخريب مهما صغرت “بشكل يومي وسريع”، كتنظيف الكتابة على الجدران، وسرعة إصلاح المصابيح والإشارات المكسورة.

مستوى النظافة والانضباط

وبهذه الطريقة ارتفع مستوى النظافة والانضباط في مدن، مثل: نيويورك وفيلادلفيا وبوسطن، وانخفضت فيها نسبة الجريمة والتخريب والمخالفات المرورية مقارنة بعقدي السبعينيات والثمانينيات.

وكي لا نذهب بعيدا، لاحظ أن نسبة الفساد في مجتمعنا انخفضت كثيرا بفضل ملاحقة هيئة الفساد أصغر القضايا وأبسط الحالات “كالوساطة الشخصية وتسلم الهدايا العينية”.

فالفكرة هنا هي أن التهاون في حالات الفساد الصغيرة، يبعث برسالة كبيرة مفادها أن لا أحد يهتم، ولا أحد يحاسب، ويمكن للجميع التمادي وتكرار الفعل وتحقيق مكاسب أكبر “لدرجة وصلنا في الماضي إلى مرحلة علنية وصريحة من الاستهانة بالمال العام”.

المطلوب سرعة الإصلاح

غير أن مشكلاتنا لا تقتصر على الفساد المالي، كون معظم مشكلاتنا الصحية والتعليمية والاجتماعية هذه الأيام، قد نجمت عن ممارسات خاطئة في الماضي تجاهلناها حتى تضخمت وتحولت إلى ظاهرة تصعب معالجتها في الحاضر.

المطلوب ببساطة هو “سرعة إصلاح” النوافذ المكسورة في مجتمعنا، “وكف يد” من حطمها كي لا تتضخم الظاهرة ويتفاقم الخراب لمستوى يصعب إصلاحه.