إنقاذ المخطوطات النادرة: الرقمنة الشاملة لتاريخ الإفتاء من عهد "الإمامين" إلى عصر "سلمان"

مشروع القرون الثلاثة: التوثيق الأضخم لتاريخ الإفتاء وصيانة الموروث الشرعي للمملكة

السبت ١٣ يونيو ٢٠٢٦ الساعة ٥:٤٩ مساءً
مشروع القرون الثلاثة: التوثيق الأضخم لتاريخ الإفتاء وصيانة الموروث الشرعي للمملكة
تقرير كتبه : إبراهيم بن سعد الماجد - المواطن- الرياض

منذُ أكثر من ثلاثة قرون كانت المملكة العربية السعودية الحاضنة لموروث الأمة الشرعي، عقيدة وفقه وحديث.

فقد تأسست هذه البلاد على يدي مؤسسها الأول الإمام محمد بن سعود – رحمه الله – على العقيدة الصحيحة التي تحارب الشرك والبدع.
فكانت عناية الدولة السعودية في مراحلها الثلاث ( الدولة السعودية الأولى والثانية و الحاضرة ) عناية كبيرة بحماية جناب التوحيد من خلال إقامة الدروس والحلقات العلمية، وفتح دور الإفتاء، وبعث العلماء لأنحاء البلاد لتعليم الناس والإجابة على فتاواهم الشرعية.

ففي مرحلة تأسيس الدولة السعودية الأولى كان الركن الشرعي أساس في البناء، حيث كان الإمام محمد بن عبدالوهاب – رحمه الله – خير معين للإمام محمد بن سعود الذي أسس الدولة ونشر العلم وبعث العلماء في تأكيد على مناصرة الدولة للدعوة وأنهما شيء واحد كون الهدف نصرة دين الله ونبذ الشرك والبدع .

وعندما استعاد الملك عبدالعزيز – رحمه الله – ملك الآباء والأجداد كان من أولوياته تبصير الناس بدينهم، وكان ذلك من خلال تعيين المفتين في أنحاء البلاد، قبل أن تؤسس دار الفتوى التي أصبحت فيما بعد ( 1391 هـ) الرئاسة العامة للإفتاء . وعلى هذا الأساس تأسست اللجنة الدائمة للإفتاء وهيئة كبار العلماء .

إرث عظيم، وتاريخ كبير لقيادة هذه البلاد وعلماءها منتشر في أصقاع الأرض، علمه البعض وجهله الكثير، وبات من الضرورة توثيقه عبر وسائط التوثيق المختلفة ، والتي تعمل عليها دارة الملك عبدالعزيز بقيادة الرجل المهتم بالتاريخ العاشق للعلم الأمير فيصل بن سلمان بن عبدالعزيز ، وفي مرحلة مختلفة لرئاسة البحوث العلمية والإفتاء نهضة وتنظيماً وحراك ، فقد (وقّعت الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء ودارة الملك عبدالعزيز مذكرةَ تعاون مشترك، في مقر الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء بالرياض؛ بهدف صون الموروث الشرعي والعلمي للمملكة العربية السعودية، وتوثيق مسيرة الإفتاء عبر مراحلها التاريخية المتعاقبة منذ فجر الدولة السعودية الأولى حتى العصر الحاضر.

توقيع مذكرة التعاون

ووقع مذكرةَ التعاون عن الدارة صاحبُ السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبدالعزيز المستشارُ الخاص لخادم الحرمين الشريفين رئيسُ مجلس إدارة دارة الملك عبدالعزيز، فيما وقعها عن الرئاسة سماحةُ المفتي العام رئيسُ هيئة كبار العلماء، والرئيس العام للبحوث العلمية والإفتاء الشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان.

وتنبثق هذه الشراكة الإستراتيجية من إدراك مشترك بأهمية الحفاظ على الموروث الشرعي للمملكة، الذي يمثّل ركيزةً أصيلة في هويتها الدينية والحضارية؛ إذ تمتد جذور الإفتاء السعودي بعمق في سياق تاريخي ثري، ارتبط بنشأة الدولة ونموّها عبر عهودها المتلاحقة.

وبهذه المناسبة أكد صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان بن عبدالعزيز, أن هذه الشراكة تعكس تكامل الجهود الوطنية في حفظ الإرث العلمي والشرعي للمملكة وتوثيقه، قائلًا: “إن دارة الملك عبدالعزيز تضطلع بمسؤولية وطنية تتمثل في توثيق تاريخ المملكة العربية السعودية وصون مصادره وإتاحتها للمستفيدين من المحتوى المعرفي، والبُعد الديني والشرعي في مقدّمة ما تحرص هذه البلاد على حفظه وصونه، وإن شراكتنا مع الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء جاءت لتجمع بين مؤسستين تحملان مسؤولية مشتركة عنوانها توثيق الإرث العلمي والمؤسسي للإفتاء السعودي والمحافظة عليه”.

من جانبه أوضح سماحة المفتي العام الشيخ صالح بن فوزان الفوزان أن هذه الشراكة تنبع من مسؤولية علمية ودينية راسخة، وقال سماحته: “إن توثيق التراث العلمي المرتبط بالإفتاء في المملكة مطلب علمي، فالفتوى إرثٌ شرعي يحمل هدي العلماء وسمتهم عبر العصور، وما نسعى إليه من خلال هذه الشراكة هو أن يجد طالب العلم والباحث والمسلم بين يديه تاريخًا موثّقًا يُرسّخ الثقة بمرجعية هذه البلاد العلمية والدينية”.

وتشمل مجالات التعاون المنصوص عليها في المذكرة جملةً من المحاور؛ في مقدّمتها توثيق تاريخ الإفتاء توثيقًا أكاديميًا منهجيًا يُغطّي ثلاثة قرون من العطاء العلمي، إلى جانب العناية بالمواد التاريخية من خلال منظومة متكاملة تضمّ التعقيم والمعالجة والترميم والتجليد والرقمنة والفهرسة، بما يكفل صون هذا التراث العلمي والشرعي ويُهيّئه للأجيال القادمة.

برنامج للتعاون البحثي

وتتضمن المذكرة برنامجًا للتعاون البحثي يُتيح للباحثين من كلا الجهتين الاطلاع على المصادر التاريخية النادرة، وتبادل الوثائق والأفلام الأرشيفية ذات القيمة العلمية، فضلًا عن تبادل الزيارات المتخصصة وتنفيذ برامج التدريب المشتركة في مجالات حفظ التراث، وتمتد الشراكة لتشمل الإنتاج الوثائقي المشترك وتوفير التغطية الإعلامية للمخرجات العلمية والثقافية.

ومن أبرز ما تنفرد به هذه المذكرة العناية الخاصة بتوثيق التاريخ الشفوي للإفتاء، عبر تسجيل شهادات العلماء وكبار العاملين في الرئاسة العامة ممن عاصروا مراحل مسيرتها؛ وهو ما يُضاف إلى ما تتيحه الرقمنة من حفظ المواد المكتوبة، ليكتمل التوثيق في شقّيه المكتوب والمرويّ.

وتأتي هذه المذكرة تجسيدًا لنهج التكامل المؤسسي بين الجهتين، واستجابة لتوجيهات القيادة الرشيدة في صون الهوية الوطنية وتعزيز مكانة المملكة بوصفها مرجعًا شرعيًا وعلميًا رائدًا، ومنسجمةً مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 من الاعتزاز بالموروث الحضاري بوصفه ركيزةً راسخة لبناء المستقبل)

إننا أمام مرحلة مهمة يتطلع لها كل باحث وكل مهتم، بل وكل مسلم في أي مكان من الكرة الأرضية تبصره بدينه، وتبين له الأساس المتين الذي قامت عليه هذه الدولة حامية حمى الإسلام وناصرة المسلمين في كل مكان، وخادمة الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن.

إننا نتطلع بكل شغف لمخرجات هذا التعاون المهم، الذي يؤكد على ريادة مؤسساتنا الشرعية والعلمية في صون موروث بلادنا.


تقرير كتبه : إبراهيم بن سعد الماجد – مستشار إعلامي 

 

 

تعليقك على الخبر
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني | الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *
التعليق
الاسم
البريد الإلكتروني

إقرأ المزيد