{ أم سُليم }

{ أم سُليم }

الساعة 1:51 صباحًا
- ‎فيكتابنا
1845
5
طباعة
عادل-الكلباني

  ......       

أحدثكم اليوم عن أنموذج للمرأة المسلمة ، التي قلّ أن يذكر مثلها في زماننا هذا فيشار إليها ، أو يعرّف بها ، لأن المتحاربين في المرأة لا يريد أي فريق منهم أن تبدو للعيان سيرة أمثالها فيرى من يسمونه بالعامي مثالا به يحتذى ، وأنموذجا يستن به ويقتدى .
ففريق لا يرى في المرأة إلا خادما ، وفتنة وشيطانا متلفعا ، وفريق لا يراها إلا ألعوبة وشهوة ومادة إعلانية جاذبة ، يصعقهم أمثال أنموذجنا هذا ، لأنه يفصح عن صورة المرأة المسلمة حقا ، التي نالت في ظل دين حنيف ، وشريعة سمحة كامل حقوقها إنسانا وشقيقا للرجل ، كان عليه العبء الأكبر في تربية الرجل نفسه ، وتجهيزه للملمات ، وتعليمه الأبجديات ، ثم ما انفك يرافقها أختا ، ويسكن إليها زوجا ، ويرق وهو يراها طفلة بين يديه ، ثم بنتا تحنو عليه .
أم سُليم صحابية جليلة ، كانت تملك عقلا مفكرا وحرا ، سمعت بهذا الدين الذي بزغ فجره ، واستبان نوره فلم تتردد في الدخول فيه ، وهي تعلم ما هو واقع الجاهلية التي تحيط بها . حتى إنها وقفت أمام زوجها وهو يجادلها في الدين مغضبا ثائرا ، فتقف بصلابة تناقشه وتقنعه أن الإسلام هو الحياة ، وأن حلاوة الإيمان قد لا مست شغاف قلبها ، لكن ( الرجل ) لم يفهم ما فهمته ( المرأة ) وعقلته . فخرج مغاضبا إلى الشام ومات بها .
وكانت قد رزقت منه ابنا ، كل المسلمين يعرفونه ، ويغبطونه على مكانته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . إنه أنس بن مالك بن النضر . ولقد نال أنس ابنها هذا الشرف بفضلها ، إذ أتت به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقالت : يا رسول الله ، هذا أنس ابني ، يخدمك ، وهو غلام كاتب . فنال شرف الوسم الشهير : خادم النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
ولم تقف عند هذا ، بل جاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت له : يا رسول الله ، خويدمك ادع الله له . فقال صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم كثّر ماله ، وولده ، وأطل عمره ، واغفر ذنبه .
وقد عزمت أن لا تتزوج حتى يبلغ أنس أشده ، وهكذا أبلغت أبا طلحة حين خطبها ، فلما جلس أنس وتكلم في المجالس كما أرادت ، أعاد خطبتها أبو طلحة ، فأخبرته أنها آمنت بالله ربا ، وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم نبيا ، ورضيت بالإسلام دينا ، وهو رجل مشرك فلا يمكن أن تكون حليلة له ، فكان بينها وبين أبي طلحة حوار دعته من خلاله إلى الإسلام وجعلت إسلامه صداقها ، فاستمهلها حتى ينظر في أمره ، ثم ما لبث أن جاء إليها ونطق الشهادة بالإسلام . فزوجها أنس وكان صداقها الإسلام .
أم سليم لها قصة مع الصبر العجيب ، حين توفي ابنها من أبي طلحة وهو صغير ، ابنها أبو عمير الذي قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : يا أبا عمير ، ما فعل النغير . يواسيه بموت طائر صغير له . وكان قد حزن عليه وبكى لموته .
توفي الصغير وأبوه ليس ثمّ ، فلما رجع سأل عن ابنه وكان يعلمه مريضا ، فقالت أسكن ما كان ، فظن أنه قد عوفي ، فلما أكل عشاءه ، تصنعت له ، فأصاب منها ، ونام قرير العين ، فلما دنا الصبح أخبرته بالمصيبة ، بتقديم جميل ما أروعه . لكنه غضب وقال : تركتني حتى إذا تلطخت أخبرتني بابني ؟ فما زالت تذكره حتى استرجع ، وهدأت نفسه . فلما أصبح اشتكاها إلى نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم . فقال : بارك الله في ليلتكما .
شهدت أم سليم غزوة حنين وهي حبلى . واتخذت خنجرا ، قال أبو طلحة : يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر , قالت : اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت بطنه . فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يضحك .
وفي صحيح مسلم : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يغزو بأم سليم ، ونسوة من الأنصار معه إذا غزا ، فيسقين الماء ويداوين الجرحى . ويروى ابنها أنس فيقول : ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم ، وإنهما لمشمرتان ، أرى خلخال سوقهما تنقزان القرب على متونهما ، تفرغانه في أفواه القوم ، ثم ترجعان فتملآنها ، ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم . رواه البخاري .
وفي الصحيحين عن أنس قال : دخل علينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقت القيلولة فعرق ، وجاءت أمي أم سليم بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها ، فاستيقظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا أم سليم ، ما هذا الذي تصنعين ؟ قالت : هذا عرقك ، نجعله في طيبنا ، وهو من أطيب الطيب .
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخصها بالزيارة ، وأعطاها نصف شعرِه لما حلقه في حجة الوداع ، كما هو في صحيح مسلم .
بقي أن أذكر أن أخاها حرام هو صاحب المقولة المشهورة : فزت ورب الكعبة . وأختها أم حرام هي التي دعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فغزت في سبيل الله ، وكان عليه الصلاة والسلام يدخل بيتها ، فتطعمه ، وينام في بيتها ، وهي زوجة عبادة بن الصامت رضي الله عنهما . لما نام صلى الله عليه وآله وسلم عندها استيقظ وهو يضحك فقالت : ما يضحكك يا رسول الله ؟ فقال : ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج البحر ، مثل الملوك على ألأسرة . فقالت : ادع الله لي أن أكون منهم فدعا لها . الحديث .
هذا مثال للمرأة المسلمة التي كان لها أثر واضح في حياة المسلمين ، دينا ودنيا ، فليت قومي يعلمون .


قد يعجبك ايضاً

#أمريكا تتهيأ لاختيار رئيسها الـ 45 .. هيلاي أم ترامب

المواطن – متابعة تقترب الحملات الانتخابية في الولايات